«دلال الأسبستوس».. سرطان في فنجان قهوة


مستهلكون: الأسعار تجبرنا على شراء أنواع «رديئة».. وتجّار: «المتاجر الإلكترونية» وراء انتشارها

«دلال الأسبستوس».. سرطان في فنجان قهوة


الامارات اليوم – تحقيق: أشرف جمال




«السرطان في فنجان قهوة».. عبارة لا يُقصد بها إثارة المخاوف لدى شرائح المجتمع المختلفة، وإنما تهدف إلى دق ناقوس خطر لظاهرة رصدتها «الإمارات اليوم» أخيراً، في عدد من الأسواق والمتاجر بالدولة، تتمثل في انتشار أنواع مختلفة (آسيوية المنشأ) من حافظات السوائل الساخنة، مثل الشاي والقهوة «دلال الاسبستوس»، مُصنّعة من خامات رديئة تحتوى على مادة «الأسبستوس» التي تسبب أمراضاً سرطانية قاتلة، وفق «منظمة الصحة العالمية».
تحذيرات فردية على منصات التواصل الاجتماعي كانت بداية طرف الخيط الذي قاد لحقيقة انتشار هذه الدلال الخطرة في الأسواق، إذ تداول عدد من المواطنين والمقيمين معلومات عن انتشار دلال «آسيوية» للشاي والقهوة تحتوي مواد مسرطنة، في بعض الأسواق العربية، ما أثار نوعاً من القلق بين روّاد التواصل الاجتماعي، لدرجة دفعت البعض منهم إلى شن حملات للتخلص من دلال الاسبستوس الموجودة في منازلهم.
وأمام انتشار هذه الفيديوهات، وما صاحبها من شائعات ومساجلات، سعت «الإمارات اليوم» إلى التأكد من حقيقة وجود مثل هذه الدلال في متاجر الدولة، والوقوف على خطورة مادة «الاسبستوس» الداخلة بين مكوناتها، بالإضافة إلى التعرّف إلى ما تقوم به الدولة من جهود لمواجهة مثل هذه المنتجات غير الآمنة على صحة مستهلكيها من مواطنين ومقيمين.
نفذت «الإمارات اليوم» جولة في عدد من متاجر مختلفة لبيع المستلزمات المنزلية، وكانت الجولة كافية لرصد وجود عشرات الأنواع من دلال القهوة «مجهولة النوع» ورديئة الصنع، معظمها آسيوية المنشأ ويدخل في مكوناتها الاسبستوس، تباع بما يقل عن 60% من أسعار دلال أخرى مجاورة لها، تحمل علامات تجارية «ذائعة الصيت» ومصنّعة بخامات عالية الجودة.
وبمقارنة بين عدد من الدلال الجيدة والرديئة، يمكن أن يقوم بها أي مشترٍ، لوحظ وجود فروق كبيرة بين النوعين من حيث الخامات وجودة ودقة التصنيع، بجانب اختلاف الرائحة الداخلية بين كلا المنتجين، كما لوحظ وجود ثلاث نقاط أو دوائر داخل الحافظة الزجاجية للدلة «الرديئة»، تبين بسؤال مختصين أنها أقراص من مادة «الأسبستوس»، وهو ما لم يتم رصده في أي من أنواع الدلال الشهيرة «جيدة الصنع».
الفروق الشاسعة بين الدلال الجيدة والرديئة أثارت سؤالاً لماذا يقدم المستهلك على شراء سلعة رديئة الصنع في وقت يرى فيه أوجه اختلافها عن مثيلتها الجيدة؟
رداً على هذا السؤال، اتفق عشرات المستهلكين من مواطنين ومقيمين على وجود محددات توجههم لاختيار منتج ما وتفضيله على آخر، أهمها إتاحة المنتج ومعقولية سعره، لاسيما إذا كانت السلعة ثانوية أو غير أساسية.
دلال رخيصة
وقال مستهلكون لـ«الإمارات اليوم»: «بكل تأكيد نحن نريد شراء الدلة الأفضل والأكثر جودة وأماناً، لكن في ظل الانتشار الهائل للأنواع الرديئة والماركات غير المعروفة، أصبح الحصول على دلال أصلية أمر بالغ الصعوبة، بالإضافة إلى أن سعرها دائماً ما يكون مبالغاً فيه»، مشيرين إلى أنهم يلجؤون إلى شراء الدلال مجهولة النوع «الآسيوية»، كونها رخيصة الثمن وتؤدي المطلوب ولو بشكل محدود، على أن يقوموا بشراء غيرها عندما تتعرض للتلف.
في المقابل أكد أصحاب متاجر لبيع المستلزمات المنزلية، أن كل أنواع «الدلال» المعروضة في محالهم تخضع لرقابة صارمة من الجهات المعنية محلياً واتحادياً، موضحين أن الفروق بين الدلال الرديئة والجيدة تكمن في الخامات وحرفية التصنيع.
وأشاروا إلى أن طبيعة عملهم تعتمد على توفير كل المنتجات بأنواعها المختلفة أمام المستهلكين، الذين تقع عليهم مسؤولية اختيار المنتج المناسب لاحتياجاتهم وإمكاناتهم.

واتهم عدد من أصحاب المتاجر الأسواق والمتاجر الإلكترونية بالتسبب في انتشار المنتجات الرديئة والعشوائية وغير الآمنة بين المستهلكين، مشددين على ضرورة خضوع هذه المنافذ التسويقية للرقابة نفسها التي تتعرض لها المتاجر التقليدية.
أمراض «الأسبستوس»
أكد أطباء وأكاديميون، أن مادة «الاسبستوس» تسبب أمراضاً رئوية مزمنة، نتيجة استنشاق أليافه، إذ تؤدي هذه الألياف إلى تحوّل خلايا الرئة لتصبح خلايا خبيثة، ينتج عنها سرطان الرئة، موضحين لـ«الإمارات اليوم»، أن خطورة الإصابة بأمراض «الاسبستوس» تكمن في أن أعراضها تظهر بعد مرور من 15 إلى 20 عاماً.
وقال أستاذ الكيمياء بقسم العلوم الأساسية في جامعة الشارقة، الدكتور عديسان إبراهيم أبوعبدون، إن «مادة الاسبستوس عبارة عن مجموعة من المعادن الليفية، تتكوّن طبيعياً ولها فائدة تجارية حالياً، أو كانت لها فائدة تجارية في الماضي، نظراً لمقاومتها غير العادية لقوة الشدّ، ورداءة توصيلها للحرارة، ومقاومتها النسبية لهجمات المواد الكيميائية عليها، ولتلك الأسباب تُستخدم مادة الاسبستوس لأغراض العزل داخل المباني وفي تشكيلة مكونات عدد من المنتجات، مثل ألواح التسقيف، وأنابيب الإمداد بالمياه، وبطانيات إطفاء الحرائق، ومواد الحشو البلاستيكية، والعبوات الطبية».
وتابع أن الاسبستوس يستخدم في قوابض السيارات وبطانات مكابح السيارات وحشياتها ومنصاتها، بجانب استخدامها أيضاً في صناعة حافظات المشروبات الساخنة مثل دلّات الشاي والقهوة لقدرتها الهائلة على العزل الحراري، وبعد ذلك انتشرت هذه المادة في العديد من الاستخدامات، خصوصاً في مجال البناء والصناعة.
احتياطات السلامة
وأضاف أبوعبدون أن استخدامات الاسبستوس بدأت قبل الحرب العالمية الثانية، وتزايد استخدامه مع تلك الحرب حتى مطلع السبعينات من القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من انعدام ما يعرف بإجراءات واحتياطات السلامة خلال تلك الفترة، فإن استخدام هذه المنتجات انخفض بشكل كبير بعد ذلك، بسب الإدراك المتزايد وانتشار مخاطر الاسبستوس، إلى حد سحب معظم منتجاته من الأسواق وقلة الطلب التجاري عليه.
وأشار إلى أن الحرص على عدم التعامل مع تلك المادة ازداد بسبب زيادة عدد الهيئات البيئية والصحية التي تنشر الوعي حول مخاطر الاسبستوس حتى تمت محاصرة منتجاته، بل تم فرض حظر كامل على تلك المنتجات، موضحاً أنه في عام 1989 أصدرت وكالة حماية البيئة في أميركا حظراً على إنتاج مادة الاسبستوس للتخلص التدريجي منها، لاسيما بعد أن صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، وهي تابعة لمنظمة الصحة العالمية، الاسبستوس كمادة مسرطنة عن طريق الاستنشاق.
أمراض رئوية
فيما أكد أستاذ أمراض الصدر، الدكتور أيمن السيد سالم، أن مادة الاسبستوس من المسببات الرئيسة للأمراض الرئوية المزمنة، نتيجة استنشاق أليافه التي تتميز بدقتها الشديدة والتي تعمل على خفض كفاءة الرئتين والجهاز التنفسي بشكل عام، قائلاً: «بعد استنشاق هذه المادة يحدث اتصال مباشر بين ألياف الاسبستوس والخلايا في الرئة، ما يؤدي إلى تحوّل خبيث لهذه الخلايا، وبالتالي ينتج عن ذلك سرطان الرئة، والذي تكمن خطورته في أن أعراضه تظهر بعد مرور من 15 أو 20 سنة».
من جانبه، قال استشاري أمراض الرئة والتنفس في مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي الدكتور زايد زموت، إن استعمال الاسبستوس يقابل بحذر من قبل الجهات المعنية بأمور الصحة والسلامة والبيئة، حيث تشير الدلائل إلى إمكانية حدوث سرطان المعدة والأمعاء، جراء شرب مياه ذات تراكيز مرتفعة من الأسبستوس لفترة طويلة، كما أن هناك أمراضاً متعددة تصيب الذين يتعرضون لهذه المادة، وتعتمد شدة خطورة المرض حسب درجة غبار الاسبستوس، مؤكداً أن المدخنين يعدون أكثر عرضة للإصابة من غيرهم مرتين تقريباً في حال استنشاق غبار هذه المادة.
وهو ما أيّده كبير علماء الأبحاث في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، الدكتور فهد الخضيري، الذي ذكر أن هناك نوعين من «الاسبستوس»: الأول يعرف بـ«أسبست أزرق»، بينما الثاني «أسبست أبيض»، مشدداً على أن النوع الأزرق أكثر خطراً من «الأبيض».
وقال الخضيري إن الأسبست مادة ليفية طافية في الهواء، وقادرة على الدخول عميقاً داخل الرئتين، وهي مسببة للندبات في الرئتين والجَنَبة أو المتوسطة (غلاف الرئة)، والتي يرافقها انخفاض في أداء الرئتين، يسمى بمرض أو داء الاسبست، وهو مرض من دون علاج فعال وشاف.
مخاطر الأسبستوس
كشف تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية أن ما يقارب 125 مليون نسمة في جميع أنحاء العالم، يتعرضون حالياً لمخاطر مادة الأسبستوس في أماكن عملهم، مؤكداً أنه حسب التقديرات فإنّ أكثر من 107 آلاف نسمة يقضون نحبهم كل عام بسبب سرطان الرئة وورم المتوسطة وداء مادة الأسبستوس، نتيجة التعرّض لتلك المادة في أماكن العمل.
وأشار التقرير، الذي نشرته المنظمة أخيراً على موقعها الرسمي، إلى أن الاسبستوس تقف وراء ثلث الوفيات الناجمة عن أنواع السرطان التي تحدث جرّاء التعرّض لعوامل مسرطنة في مكان العمل، بجانب وقوع آلاف عدة من الوفيات الناجمة عن التعرّض للإسبستوس في البيوت كل عام.

وأكد التقرير أن جميع أشكال الأسبستوس تعتبر مواد مسرطنة بالنسبة للبشر، وقد تتسبّب في الإصابة بورم المتوسطة وسرطان الرئة وسرطاني الحنجرة والمبيض، كما يؤدي التعرّض لتلك المادة إلى الإصابة بأمراض أخرى، مثل داء الأسبستوس (تليّف الرئتين) ولويحات أغشية الرئتين وحالات التثخّن والانصباب.
ولفتت المنظمة إلى أن أنجع طريقة للتخلّص من الأمراض ذات الصلة بـ«الأسبستوس» تتمثل في التوقف عن استعمال تلك المادة بجميع أشكالها، وتوفير معلومات عن الحلول الرامية إلى الاستعاضة عن هذه المادة ببدائل أكثر مأمونية، ووضع آليات اقتصادية وتكنولوجية تحثّ عن الاستعاضة عنها، مع اتخاذ تدابير للحيلولة دون التعرّض لـ«الاسبستوس» في الموقع وأثناء إزالته (خفض التلوّث).
طوارئ رقابية
نشرت «الإمارات اليوم» في 17 من نوفمبر الماضي خبراً حول ظهور أنواع من دلال القهوة والشاي رديئة الصنع ويدخل في مكوناتها «الاسبستوس» المسببة للأمراض السرطانية، كان كافياً لإعلان حالة الطوارئ الرقابية بين العديد من أجهزة ومؤسسات الدولة المعنية، اتحادياً ومحلياً، والتي كثفت من حملاتها التفتيشية والتوعوية بين المتاجر، لضبط ومصادرة أية أنواع من «دلال الاسبستوس».

واستهلّت هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس (مواصفات)، التحركات الرقابية بحملة توعية دعت خلالها المستهلكين، بحسب مدير عام الهيئة، عبدالله المعيني، إلى التدقيق قبل شراء الدلال، والتأكد من حصولها على شهادة المطابقة من قبل الهيئة، وأن المنتج ممهور بشعار الهيئة، مشددة على ضرورة التزام المنتجين والموردين بالحصول على الشهادة التي تثبت للمستهلكين أن منتجاتهم تحمل مرجعية فنية ومخبرية، وشهادات ومعلومات موثقة حول سلامة وأمان المنتجات.
وجاء التحرك الثاني متمثلاً في حملة تفتيشية ورقابية أطلقها قطاع الرقابة التجارية وحماية المستهلك في اقتصادية دبي، بالتعاون مع هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس، بهدف سحب جميع «الدلال» في دبي، التي تحتوي مادة الأسبستوس، التي قد تؤثر في صحة مستخدميها في جميع منافذ البيع بإمارة دبي.

حملات توعية
وذكر المدير التنفيذي لقطاع الرقابة التجارية وحماية المستهلك في اقتصادية دبي، محمد علي راشد لوتاه، أن الحملة واسعة النطاق شملت جميع المنافذ التجارية بإمارة دبي التي تزاول نشاط وبيع الدلال، وذلك للتأكد من سلامة الحافظات وعدم وجود مادة الأسبستوس، والتخلص من الدلال التي تحتوي على مادة الأسبستوس، وإثبات خلو الدلال التي تباع من هذه المادة الخطرة لضمان سلامة المستهلكي

شاهد أيضاً

محاكمة شاب خالف نطاق السوار الإلكتروني

محاكمة شاب خالف نطاق السوار الإلكتروني البيان – أبوظبي – موفق محمد حددت محكمة استئناف …