«أمل بودي».. قابلة وممرضة تسعينية قَدِمت إلى الإمارات عام 1966


«أمل بودي».. قابلة وممرضة تسعينية قَدِمت إلى الإمارات عام 1966

الخليج- رأس الخيمة: عدنان عكاشة

قبل 55 عاماً، بدأت أمل أنطونيوس بودي، قابلة قانونية وممرضة سورية الجنسية، العمل في القطاع الصحي في الدولة، حين انتقلت إلى رأس الخيمة، لتكون واحدة من أقدم العاملين في المهن الطبية في الإمارات، حيث قضت عقوداً من الزمن في علاج أبناء الوطن وتوليد بناته، وساهمت، عند بداية رحلة عملها في الدولة، في إنقاذ حياة عدد كبير من أطفال الإمارات وأمهاتهم، في ظل شح الإمكانات وندرة الأطباء وشبه انعدام المنشآت الصحية الحديثة آنذاك.
ورغم ترك أمل بودي العمل كلياً قبل نحو 21 عاماً، لكنها تواصل الحياة في ربوع الإمارات، حيث ترى كل حياة خارجها «غربة»، ولو كانت وسط أهلها وأقاربها. وهي وإن كانت تحمل شهادتين في التمريض والقبالة، لكنها ونظيراتها في تلك المرحلة، قبل تأسيس الدولة والاتحاد، كن يتولين فعلياً مهام الأطباء، في ظل الافتقار إليهم وتمكنهن من مهامهن.
«الدكتورة»، كما كان الأهالي يطلقون عليها، تبلغ اليوم 91 عاماً، من مواليد 1929، تؤكد أنها حرصت خلال مسيرتها الطويلة في العمل الطبي في الدولة على خدمة الإنسانية، وفقاً لتعبيرها، فيما كان شغفها وتعلقها الشديد بعملها يملأ عليها حياتها، حتى عوضها عن الزواج وإنجاب الأبناء.
أمل حصلت على دبلوم التمريض في حلب، شمال سوريا، وبعد أن عملت في وطنها حوالي عامين، بحسب ذاكرتها، انتقلت إلى السعودية، حيث عملت 7 أعوام، ثم ذهبت إلى لندن، لدراسة التوليد «القبالة» ورعاية الأطفال، لتعود وهي تحمل شهادة دبلوم ثانية.
مع «مدام فيرنو»
تقول القابلة القانونية لـ«الخليج»: جئت إلى الإمارات عام 1966م، قبل قيام الاتحاد ونشأة الدولة بخمسة أعوام، حيث كنت واحدة من القليلين جدا العاملين في المهن الطبية في الإمارات وقتها، واتجهت إلى رأس الخيمة، وأنشأت مع ممرضة وقابلة أمريكية تدعى «الدكتورة» أو «مدام فيرنو» وكانت تعرف ب(أم دانيال)، عيادة في حي أو فريج «سدروه»، في المدينة القديمة لرأس الخيمة، وحظيتا بدعم المغفور له، بإذن الله، تعالى، الشيخ صقر، رحمه الله.
وعملت «أمل بودي» عامين مع «أم دانيال»، ثم اتجهت صوب منطقة شعم، نحو 40 كيلومتراً شمال مدينة رأس الخيمة، لخدمة أبناء المناطق الشمالية من الإمارة، التي تضم شعم والجير وغليلة وخورخوير والرمس والقرى التابعة لها، وبقيت هناك تقريباً 53 عاماً، منذ 1968 حتى اليوم، فيما كانت تستقبل بعض المرضى من المناطق القريبة في سلطنة عمان.
علاج مواطنة يموت أطفالها بعد الولادة
من أبرز ما يحمله شريط ذكرياتها، المحتشد بالصور والمواقف والمشاعر، تذكر «الدكتورة» أمل قصة «مطوع» وزوجته، من أهل شعم، رزقا بأطفال كثيرين، لكنهم ماتوا جميعاً بعد ولاداتهم، جاءا إليها بحثاً عن العلاج، وبعد فحصها للزوجة تبين أنها كانت مصابة بمرض يؤدي لوفاة كل طفل تنجبه، إما داخل بطنها أو بعد الولادة، بسبب نقلها العدوى لهم، لتعالج القابلة والممرضة المخضرمة الأم، وهو ما تكلل بالنجاح وسط فرحة عارمة للزوجين وأقاربهما، ثم في أعوام لاحقة أنجبت الزوجة عدداً كبيراً من الأطفال، في ولادات ناجحة، جميعهم عاشوا وكبروا.



العيادة في «خيمة»
عيادتها الأولى في (شعم) كانت عبارة عن «خيمة» لا أكثر، اشترتها من دبي خصيصاً لتحولها إلى عيادة، تعالج فيها المرضى وتخفف آلام الموجوعين، وتتولى عمليات توليد النساء، فيما خاضت تحدياً صعباً في بدايتها هناك، في ظل انتشار «الملاريا» حينها إلى حد بعيد. وبقيت في «الخيمة – العيادة» لحوالي خمسة أعوام، قبل أن تشيد مبنى خرساني صغير، مكون من غرفتين، تستقبل فيهما المرضى وتتخذهما سكناً لها، وبعد ذلك تضيف «كرفان» لمواصلة عملها في تخفيف الآلام ومداواة الجراح، حتى كان آخر طفل مواطن يولد على يديها عام 2000، ثم توقفت عن العمل نهائياً بعد 34 عاماً من العطاء المتواصل في الإمارات.
عاشقة الإمارات
الممرضة والقابلة «التسعينية» لم تتقبل الحياة خارج الإمارات، حيث تصر على مواصلة العيش على أرض الدولة، رغم بلوغها عامها الحادي والتسعين، واعتزالها العمل منذ نحو 21 عاماً، ورغم سفرها إلى الولايات المتحدة، حيث التحقت بأسرة شقيقها، لكنها تقول إنها لا تحب الغربة، إذ ترى كل حياة خارج الإمارات «غربة»، حتى لو كانت وسط أهلها وأقاربها وأحبائها، مؤثرة الوحدة والسكن في بيت متواضع في شعم على أي حياة أو عيش آخر، حتى لو كان في الولايات المتحدة.
إنقاذ ورحمة
الكاتب والباحث الاجتماعي نجيب الشامسي يؤكد أن أمل بودي ساهمت في إنقاذ عدد لافت من الأطفال والأمهات من أبناء رأس الخيمة، بجانب علاج الشرائح الأخرى، منذ قدومها من سوريا عام 1966 لتعمل ممرضة وولادة للأمهات في «عيادة سدروه»، في وقت كانت الإمارة تعاني فيه الحاجة الشديدة للخدمات الصحية، لاسيما توليد الأطفال ورعايتهم صحياً، حيث كان عدد من المواليد الجدد يفارقون الحياة سريعاً، بسبب سوء الخدمات الصحية في تلك الفترة ومستوى الولادة التقليدية الدارجة حينها.
الأدوية على نفقتها الخاصة
يضيف الشامسي: بعد عامين، تركت أمل بودي العيادة وأم دانيال بمدينة رأس الخيمة القديمة، واتجهت إلى أقصى شمال الإمارة، حيث كانت الظروف أكثر قسوة وصعوبة، بمناطق شعم والجير وغليلة، التي كانت تعيش عزلة في ظل غياب الخدمات الأساسية، الكهرباء والماء والصحة والطرق، وأمام تلك الظروف الصعبة اتخذت من ربوة ترابية مقراً لها، لتنصب عليها خيمتها، وتكون تلك هي عيادتها المتواضعة وسكناً لها، مشيراً إلى أنها كانت تعالج المرضى من الجنسين وتقدم لهم الأدوية، التي كانت تشتريها على نفقتها الخاصة من دبي، حرصاً على شفاء أبناء الإمارات، خاصة مع انتشار الأمراض المعدية.


شاهد أيضاً

رأس الخيمة تتزين بـ500 تشكيل ضوئي في الشهر الفضيل

رأس الخيمة تتزين بـ500 تشكيل ضوئي في الشهر الفضيل الخليج – رأس الخيمة: عدنان عكاشة …