الرئيسية / أخبار رأس الخيمة / شباب وادي غليلة.. فرحة موسم "حصاد الحَب" في السهول الجبلية

شباب وادي غليلة.. فرحة موسم "حصاد الحَب" في السهول الجبلية


شباب وادي غليلة.. فرحة موسم حصاد الحَب في السهول الجبلية

حصاد القمح في أحد وعوب وادي غليلة برأس الخيمة (تصوير راميش)

الاتحاد – محمد صلاح (رأس الخيمة)




لا أحد يصدق أن هذه الصورة لا تزال حاضرة، وللوهلة الأولى يظن القارئ أنه أمام لوحة تراثية من الماضي البعيد، لكن الحقيقة التي رصدتها «الاتحاد» صوتاً وصورة في متابعتها الميدانية اليوم أننا أمام موسم حصاد حقيقي بكل ما تحمله الكلمة من دلالات، حدث هذا في وادي غليلة في جبال رأس الخيمة.
وسط أهازيج موسم الحصاد التي كان الأهالي يتغنون بها في الماضي أطلق مجموعة من شباب منطقة وادي غليلة في رأس الخيمة موسم حصاد الحب «القمح» في السهول الجبلية التي كانت في السابق تضم آلاف «الوعوب والسل» وتمثل المصدر الرئيسي للمحاصيل الزراعية التي تدخل في صناعة خبز السفاع والهريس وباقي الأنواع التي كان الأهالي يستخدمونها في غذائهم، ولم تكن المناطق الجبلية تتسع لزراعة العديد من المحاصيل الزراعية، بل كانت قاصرة على زراعة حب البُر «القمح» و«الشعير» كباقي المناطق الأخرى التي كان الإنتاج الزراعي فيها رهناً لموسم الأمطار.
«الاتحاد» رصدت فرحة جني الحصاد مع محمد سعيد شهبار الشحي صاحب أحد الوعوب القريبة من سد وادي غليلة الذي قال: جمع العديد من أبناء قبيلته لمساعدته على حصاد القمح كتقليد متوارث منذ سنوات طويلة عند انطلاق هذا الموسم، إن استجابة العديد من أقاربه للمشاركة في حصاد هذا الوعب تأتي انطلاقاً من رغبة الجميع في الحفاظ على هذا الإرث المهم، مشيراً إلى أن أهالي المناطق الجبلية اهتموا بالزراعة والرعي واشتغلوا بهما طوال السنوات الماضية قبل النقلة الحضارية الكبيرة التي حدثت في الدولة، والتي تراجع معها هذان النشاطان.
وأضاف الشحي: زرعت هذا الوعب بالحب في نوفمبر الماضي بعد تمهيد الأرض، وتسميدها بالسماد الطبيعي وساهمت الأمطار التي هطلت مبكراً في تنبيت القمح بسرعة، لافتاً إلى أنه كان حريصاً على متابعة الوعب انتظاراً لزخات من الأمطار تساهم في نجاح الموسم الزراعي، وهو ما تحقق بعد شهر كامل، حيث هطلت على المنطقة أمطار غزيرة وجر معها الوادي الرئيسي، في غليلة، مشيراً إلى أنه انتظر حوالي 40 يوماً أخرى غابت فيها الأمطار قبل أن تهطل بكميات متوسطة كانت كفيلة أن يصل بها المحصول لفترة الحصاد.
وأكد علي أن قيادتنا الرشيدة حريصة على التمسك بالمهن التراثية التي مارسها الآباء والأجداد، وهناك دعم كبير للعديد من هذه المهن خاصة القطاع الزراعي الذي كان يحظى باهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ( طيب الله ثراه ) والذي ترجم هذا الاهتمام في بناء السدود في العديد من المناطق الجبلية، كما قدم الدعم اللازم للمزارعين والمتمثلة في استخدام الآلات الحديثة في الحرث وتمهيد الأراضي الزراعية، والاعتماد على الأسلوب العلمي في زراعة المحاصيل.



من ناحيته أكد سالم محمد الشحي 64 عاماً من أهالي وادي غليلة أن شباب الوادي استحضروا جزءاً مهماً من موروث هذا الوادي الذي كان يكتسي باللون الأخضر في السابق، خاصة مع بدء الموسم الزراعي في فصل الشتاء، حيث كان الأهالي يهيئون «الوعوب» التي يمتلكونها لزراعة الحبوب والمحاصيل الزراعية التي كانت تعتبر المصدر الرئيس للغذاء لأهالي المناطق الجبلية إلى جانب الرعي الذي كان المهنة الرئيسية لسكان المناطق الجبلية، لافتاً إلى أن السهول العديدة التي كانت تتخلل المرتفعات كانت تقسم إلى مساحات متفاوتة ومتقاربة وكانت تسمى الوعب، وهناك مساحات أكبر من الوعب تسمى السل، لافتاً إلى أن الأهالي كانوا يتعاونون فيما بينهم في الزراعة والتي كانت تتم بأدوات يدوية حتى موسم الحصاد، والذي كان يجري خلاله «تحشيد» الأهالي للمساعدة في الحصاد وجمع المحصول.
وتابع: الموسم الزراعي قديماً كان يبدأ بتمهيد الأرض وتسميدها بالسماد الطبيعي من مخلفات الأغنام، وكنا نبدأ في تجهيز البذور في شهر ديسمبر انتظاراً للأمطار التي كلما كانت بكميات غزيرة في الماضي، وبالنسبة لمحصول حب البر«القمح» فإنه كان يحتاج للري من 4 – 5 مرات قبل البدء في حصاده، وكان محصول الشعير يحتاج تقريباً لنفس كمية المياه، مشيراً إلى أن «الوعوب» كانت تنتج إنتاجاً وفيراً من المحاصيل التي كانت كافية لغذاء الأهالي والحيوانات.
لافتاً إلى أن موسم الحصاد كان يبدأ في أواخر شهر مارس، ويستمر طوال شهر أبريل حتى منتصف مايو، وذلك في معظم المناطق الجبلية، ويعود هذا التباين في انطلاق موسم الحصاد إلى هطول الأمطار، وكمياتها على هذه المناطق، إلا أن الموسم الزراعي الشتوي بصفة عامة كان ينتهي بشكل كامل في شهر مايو، وكنا بعدها نجمع الحب بعد حصاده لتخزينه ثم نقوم بعملية «دقه وطحنه» لاستخدامه في صناعة الهريس والخبز.
من ناحيته أكد خليفة أحمد عليوه الشحي أحد أبناء الوادي أن الزراعية من أهم المهن التراثية التي تحرص دولتنا على دعمها والاهتمام بها، مشيراً إلى أن الشباب المشاركين اليوم في الحصاد وكلهم من أبناء الوادي لديهم الخبرة بالزراعة في الوادي، خاصة أن هناك عددًا من الأهالي لا يزال حريصاً على الزراعة، حتى وإن لم يكتمل الموسم الزراعي بسبب تراجع وقلة الأمطار إلا أنه الحرص، مشيراً إلى أن الأهالي قديماً برعوا في زراعة الحبوب التي تمثل لهم مصدر الغذاء الرئيسي مثل القمح والشعير والذي كان ناتج الدريس الخاص بهما يقدم كعلف للحيوانات أيضاً.
وتابع: كان الأهلي ينشدون الأغاني والأهازيج الجميلة عند حصاد المحاصيل وجمعها وتخزينها ودقها في«الينور» مكان متسع لفصل السنابل عن سيقان الحب، وكان الأهالي ينشدون ويتغنون بالعديد من الأهازيج التي تعبر عن فرحتهم بالحصاد وبدء دق القمح، حيث كانوا يرددون أهازيج «الهب الهب الهب شل التبن وخل الحب» وغيرها من الأهازيج التي كانت تسمع في الكثير من مناطق الوادي.
وأشار إلى أن عملية دق القمح كانت تتم عند هبوب الرياح الشديدة التي كانت كفيلة بفصل التبن عن الحب باستخدام «المدراة» والتي لا يزال الأهالي يستخدمونها حتى الآن.


عدم توافر مياه الري
وطالب عليوة من الجهات المعنية بضرورة تقديم الدعم اللازم لهذه المهن للحفاظ عليها من الاندثار، خاصة مع زحف المدنية إلى المناطق الجبلية، وتخلي العديد من سكانها عن المهن القديمة، مشيراً إلى أن أكبر صعوبات تواجه الزراعة في الأودية الجبلية حالياً تتمثل في عدم توافر مياه الري، خاصة مع تراجع الأمطار خلال السنوات الماضية بشكل كبير ما تسبب في هجر غالبية الأهالي لهذه المهنة، كما نطالب بتعبيد الطرق المؤدية للوعوب والتي نجد صعوبة كبيرة في الوصول لها باستخدام السيارات، ولفت إلى أن الوعوب حالياً تنتشر في بعض المناطق بالوادي مثل: سمبة وشحة والحريف والصحوة والحلة ودفلس ورأس الغش والركبة، وموسم الحصاد في هذه المناطق يتوقف على عدد مرات الري وهطول الأمطار وبدء الموسم الزراعي.
وتابع: كنا في السابق نحفظ الحب داخل السنابل ونبدأ «الدق» على عدة مراحل حسب احتياج الأسر للحبوب، وعقب عملية فصل الحبوب وتنقيتها، تقوم النساء بطحنها وتحويلها إلى طحين باستخدام «الرحى»، لاستخدامه في صناعة خبز السفاع والهريس وغيره.

الصعود إلى الوعوب
الوصول للوعوب الجبلية التي انطلق موسم حصادها لم يكن سهلاً خاصة المنطقة الواقعة خلف سد وادي غليلة، حيث يختفي الطريق المعبد، وتبدأ المعاناة مع الطريق الذي تنتشر فيه الصخور الكبيرة التي يقول الأهالي إن الأمطار الشديدة غالباً ما تدفع هذه الصخور من أعالي القمم الجبلية المجاورة إلى هذا الطريق، ما يجعلهم في كل مرة يبذلون جهداً كبيراً لإزالة هذه الأحجار من الطريق، ويضطر الأهالي لسلوك طرق خطرة أحياناً خاصة عند هطول الأمطار بكميات كبيرة وقطعها هذا الطريق الوحيد المؤدي لهذه الوعوب التي لا تزال تحفظ الكثير من أسرار الماضي وقدرة الأهالي على التعامل مع هذه الطبيعية القاسية.

فرحة الشباب
عبر عدد من الشباب المشاركين في عملية الحصاد ومن بينهم سعيد علي أحمد عليوة الشحي، وعبدالله أحمد زيدي الشحي، وحسن سعيد الشحي، وأحمد عبد العزيز الشحي، ومحمد عبد العزيز خميس الشحي، وشقيقه خميس الشحي، وعبدالله محمد عليوة، وعمر أحمد عليوة، وسهيل الشحي، وأحمد سعيد جمعة عن فرحتهم واعتزازهم بهذه المهن التراثية، مشيرين إلى أن عملية الزراعة بدأت تعود بشكل تدريجي لبعض المناطق الجبلية خلال الفترة الحالية تزامناً مع تزايد معدلات الأمطار مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، مشيرين إلى أنهم قسموا أنفسهم إلى فريقين الأول يقوم الفريق الأول بعملية الحصاد باستخدام الداس «المحش»، ويقوم الفريق الثاني بجمع المحصول في «القفير» ونقله لمكان الجمع «الينور» وهو المكان الذي يدق فيه الحب بعد ذلك، ثم تجرى عمليه تخزينه في «الينز».

شاهد أيضاً

الإقبال على المطاعم الشعبية يربك المرور في رأس الخيمة

40 دورية لضبط حركة السير الإقبال على المطاعم الشعبية يربك المرور في رأس الخيمة زحام …